الشنقيطي
281
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
كما تقدّم إيضاحه أيضا في البقرة . وهذا النّوع من القياس الّذي يختلف المجتهدون في العلّة فيه هو المعروف عند أهل الأصول بمركّب الأصل ، وأشار إليه في مراقي السّعود بقوله : وإن يكن لعلّتين اختلفا * تركّب الأصل لدي من سلفا وأشار إلى مركّب الوصف بقوله : مركّب الوصف إذا الخصم منع * وجود ذا الوصف في الأصل المتبع والقياس المركّب بنوعه المذكورين لا تنهض الحجّة به على الخصم خلافا لبعض الجدليّين . وإلى كون ردّه بالنّسبة للخصم المخالف هو المختار . أشار في مراقي السعود بقوله : وردّه انتفى وقيل يقبل * وفي التّقدّم خلاف ينقل والضمير في قوله « وردّه » راجع إلى المركّب بنوعيه وهذا هو الحق ؛ فلا تنهض الحجة بقول الشّافعيّ إنّ العلّة في تحريم الرّبا في البّر الطّعم - على الحنفي والحنبليّ القائلين إنّها الكيل كالعكس وهكذا . أمّا في حقّ المجتهد ومقلّديه فظنّه المذكور حجّة ناهضة له ولمقلّديه . واعلم أنّ لحصر أوصاف المحلّ طرقا ؛ منها أن يكون الحصر عقليّا كما قدّمنا في آية أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ ( 35 ) [ الطور : 35 ] . وكقولك : إمّا أن يكون النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عالما بهذا الأمر الّذي تدعو النّاس إليه أو غير عالم به : كما يأتي إيضاحه . فأوصاف المحل محصورة في الأمرين المذكورين إذ لا ثالث البتّة . أنّه لا واسطة بين الشّيء ونقيضه كما هو معروف . ومنها أن يدلّ على الحصر المذكور إجماع ؛ ومثّل له بعض الأصوليّين بإجبار البكر البالغة على النكاح عند من يقول به ؛ فإنّ علّة الإجبار إمّا الجهل بالمصالح ، وإمّا البكارة : فإن قال المعترض : أين دليل حصر الأوصاف في الأمرين ؟ أجيب - بأنّه الإجماع على عدم التّعليل بغيرهما ، فلو ادّعى المستدلّ حصر أوصاف المحلّ ، فقال المعترض : أين دليل الحصر ؟ فقال المستدلّ : بحثت بحثا تامّا عن أوصاف المحلّ فلم أجد غير ما ذكرت ، أو قال : الأصل عدم غير ما ذكرت ، فالصّحيح أنّ هذا يكفيه في إثبات الحصر . فإن قال المعترض : أنا أعلم وصفا زائدا لم تذكره ؛ قيل له : بيّنه ، فإن لم يبيّنه سقط اعتراضه . وإن بيّن وصفا زائدا على الأوصاف الّتي ذكرهما المستدلّ بطل حصر المستدلّ بمجرّد إبداء المعترض الوصف الزّائد ؛ إلّا أن يبيّن المستدلّ أنّه لا يصلح العلّيّة فيكون إذا وجوده وعدمه سواء . وقول من قال : إنّه لا يكفيه قوله ، بحثت فلم أجد غير هذا - خلاف التّحقيق . وأشار في مراقي السّعود إلى هذا المسلك من مسالك العلّة بقوله : والسّبر والتّقسيم قسم رابع * أن يحصر الأوصاف فيه جامع ويبطل الذي لها لا يصلح * فما بقي تعيينه متّضح